المقريزي
75
رسائل المقريزي
فجروا على ذلك فيما بعد . وهذا المأمون « 1 » عبد الله بن هارون الرشيد قد أثر في الإسلام أقبح أثر ، وهو أنه عرّب كتب الفلسفة حتى كاد بها أهل الزيغ والإلحاد للإسلام وأهله ، وحمل مع ذلك الناس كافة على القول بخلق القرآن ، وامتحنهم فيه أشد محنة ، وأكثر من شراء الأتراك وتغالى في أثمانهم ، حتى كان يشترى المملوك منهم بمائتى ألف درهم ، وافتدى به أخوه أبو إسحاق المعتصم « 2 » ، فاشتد على الناس في امتحانهم بالقول بخلق القرآن ، وانتهك أعراضهم وبرح بالضرب الشديد أبشارهم ، وأخرج العرب - قوم رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم الذين أقام الله بهم دين الإسلام - من الديوان ، وأسقط عطاءهم فسقط فلم يفرض لهم بعده عطاء ، وأقام بدلهم من الترك « 3 » ، وخلع لباس العرب وزيهم ولبس التاج وتزيا بزى العجم الذين بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلّم بقتلهم وقتالهم ، فزالت به وعلى يديه الدولة العربية ، وتحكم منذ عهده وأيام دولته الأتراك الذين أنذر رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم بقتالهم ، فغلبوا من بعده على الممالك ، وسلطهم على ابنه جعفر المتوكل فقتلوه ثم قتلوا ابنه المستعين وتلاعبوا بدين الله وتغلبوا على الأطراف كلها ، وفعل المتوكل جعفر بن المعتصم « 4 » في خلافته من الانهماك في الترف المنهى عنه ما يقبح مثله من آحاد الرعية ، وجهر بالسوء من القول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « 5 » رضي الله عنه ، حتى قتله الله بيد أعوانه - وهو أنه كتب إلى الآفاق بأن لا يقبل علوي ضيعة ولا يركب فرسا
--> ( 1 ) المأمون عبد الله أبو العباس بن الرشيد ، ولد سنة 107 ه ، وكان أفضل رجال بنى العباس حزما وعزما وشجاعة ، وله محاسن وسيرة طويلة لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن . انظر تاريخ الخلفاء ( ص 349 ) ، البداية والنهاية ( 10 / 287 ) . ( 2 ) المعتصم بالله : أبو إسحاق محمد بن الرشيد ولد سنة 108 ه كذا قال الذهبي وقال أيضا : كان من أعظم الخلفاء وأهيبهم ، لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء في محنة خلق القرآن . بويع له بالخلافة بعد المأمون في شهر رجب سنة 218 ه . انظر : البداية والنهاية ( 10 / 293 ) ، تاريخ الخلفاء ( ص 377 ) . ( 3 ) قال السيوطي : وكان يتشبه بملوك الأعاجم ويمشى مشيهم ، وبلغت غلمانه من الأتراك بضعة عشر ألفا ، وكان يبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم ، ويبذل في ذلك الأموال ، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق ( أحزمة ) الذهب . انظر تاريخ الخلفاء ( 378 ، 379 ) للسيوطي . ( 4 ) المتوكل على الله جعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد ، ولد سنة خمس ، وقيل : سبع ومائتين ، وبويع له بالخلافة في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعد الواثق . انظر تاريخ الخلفاء ( ص 391 ) ، البداية والنهاية ( 10 / 324 ) . ( 5 ) أشار إلى ذلك السيوطي في « تاريخ الخلفاء » ( ص 394 ) .